فخر الدين الرازي

126

تفسير الرازي

المسألة الأولى : أصل الحول من حال الشيء يحول إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني ، وإنما ذكر الكمال لرفع التوهم من أنه على مثل قولهم أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين ، وإنما أقام حولاً وبعض الآخر ، ويقولون : اليوم يومان مذ لم أره ، وإنما يعنون يوماً وبعض اليوم الآخر . المسألة الثانية : اعلم أنه ليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب ويدل عليه وجهان الأول : أنه تعالى قال بعد ذلك : * ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) * فلما علق هذا الإتمام بإرادتنا ثبت أن هذا الإتمام غير واجب الثاني : أنه تعالى قال : * ( فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ) * فثبت أنه ليس المقصود من ذكر هذا التحديد إيجاب هذا المقدار ، بل فيه وجوه الأول : وهو الأصح أن المقصود منه قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاع ، فقدر الله ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند وقوع التنازع بينهما ، فإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم لم يكن له ذلك ، وكذلك لو كان على عكس هذا فأما إذا اجتمعا على أن يفطما الولد قبل تمام الحولين فلهما ذلك . الوجه الثاني : في المقصود من هذا التحديد هو أن للرضاع حكماً خاصاً في الشريعة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " والمقصود من ذكر هذا التحديد بيان أن الارتضاع ما لم يقع في هذا الزمان ، لا يفيد هذا الحكم ، هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه ، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري رضي الله عنهم ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : مدة الرضاع ثلاثون شهراً . حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه : الحجة الأولى : أنه ليس المقصود من قوله : * ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) * هو التمام بحسب حاجة الصبي إلى ذلك ، إذ من المعلوم أن الصبي كما يستغني عن اللبن عند تمام الحولين ، فقد يحتاج إليه بعد الحولين لضعف في تركيبه لأن الأطفال يتفاوتون في ذلك ، وإذا لم يجز أن يكون المراد بالتمام هذا المعنى ، وجب أن يكون المراد هو الحكم المخصوص المتعلق بالرضاع ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على أن حكم الرضاع لا يثبت إلا عند حصول الإرضاع في هذه المدة . الحجة الثانية : روي عن علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا رضاع بعد فصال " وقال تعالى : * ( وفصاله في عامين ) * ( لقمان : 14 ) . الحجة الثالثة : ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحرم من